الإثنين 12 فبراير 2018 - 9:25 صباحًا

الدكتور المصطفى المريزق يكتب عن: ولادة مغرب المستقبل

ماروك تلغراف

د. المصطفى المريزق*


هناك عدة تجارب يفتخر بها المرء في حياته، ولو كانت جد متواضعة. وكيفما كانت نتائجها، تظل تفاصيلها وحيتياتها موشومة في الذاكرة. ولأن العقل يولد صفحة بيضاء ليس فيها نقش سابق على التجربة، وبما أن المذهب النقدي يتوسط التجريب والعقل بالنسبة للبعض، ومهمة الأفكار تساعد على تنظيم الحقائق وربطها بعضها البعض، فإن تجربتي القصيرة داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي، وبالضبط مع تيار السيدة سيكولين روايال، أيام ترشحها لرئاسة الجمهورية الفرنسية عام 2007، تجعلني اليوم أستحضر أمورا عديدة مرت أمامي آنذاك ولم أستوعب مغزاها ومعانيها. ومن بينها، كيف اختار آنذاك عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين، الخبير العالمي في الحركات الاجتماعية، مراسلة المرشحة سيكولين روايال معتبرا خطابها يحمل لغة جديدة تختلف عن الخطابات الكلاسيكية، ومقاربتها للتغيير والانفتاح، بقوة مؤثرة في صفوف ملايين المواطنات والمواطنين.
ألان تورين حين اختار فتح الحوار مع المرشحة الطامعة في قصر الايليزي، لم يخترها لشخصها أو لاسمها السياسي، بل لأنه رأى فيها استعدادها للحوار والتجاوب والاحترام وحرية التفكير، والجلوس وجها لوجه معه، للتفاعل مع كل الأسئلة المحرقة التي كانت مطروحة على طاولة الحوار السياسي في تلك الفترة. وهو ما قبلت به سيكولين روتيال من دون قيد ولا شرط.
ومن بين أهم خلاصات هذا الحوار، نذكر من جانب ألان تورين، قوله بأن هناك أزمة سياسية في فرنسا دفعت بالفرنسيين إلى الابتعاد عن الحياة السياسية، لأنها لا تقدم حلولا للمشاكل، وأن السياسيين يستعملون لغة قديمة في تحليلهم لقضايا جديدة. وهو ما أشعل نار الحملة الانتخابية بين سيكولين روايال ونيكولا ساركوزي.
أما سيكولين روايال، فمن بين خلاصاتها كانت تلك المتعلقة بطرح العديد من الأسئلة المتضمنة للجواب عن مفهوم العمل السياسي، معتبرة أن الحزب السياسي يجب أن يكون أحسن من المجتمع الذي ينتقده والذي ينوي النضال ضده.
أستحضر اليوم جزء من ذكرياتي هذه، لأذكر بما أشرت له في مقال سابق عنونته ب “نهاية المغرب”، في ظل غياب تام لأي حوار مجتمعي، وفي ظل هوة عميقة بين رجال الفكر والنخب والفاعلين السياسيين، وفي زمن اليأس الاجتماعي، والإحباط السياسي، وما وصلت إليه بلادنا من فقر وهشاشة، حيث الفقراء فاق عددهم 12%، وحيث وصل المغاربة في أوضاع هشة ما يقارب 13%، وحوالي نصف ساكنة البلاد مهددة بالفقر.
ورغم ذلك، فنحن نتطلع لولادة مغرب المستقبل، بعيدا عن المزايدات السياسية والإيديولوجية، وبعيدا عن أي عبادة أو دين.
لقد أرهقتنا البروتوكولات السياسية، التي حلت محل البرامج والقرارات، كما أرقهنا زواج المخزن بالتقاليد الاجتماعية المتخلفة وبالممارسات الرجعية والمحافظة، حتى هوى النموذج الاقتصادي والاجتماعي، وسقطت معه كل أقنعة آلة الإدماج والمقاربات التشاركية المزعومة، انطلاقا من قمم المؤسسات المريضة، وعبر شخصيات موالية، ورموز وطنية مزيفة، في حلة قديمة ومستعملة.
إننا اليوم أمام خيارين تاريخين لا ثالث لهما إذا أردنا الذهاب إلى مغرب المستقبل، إما أن نطلق حوار مجتمعي في كل جهات المملكة حول واقع وحال البلاد يشارك فيه الجميع، أو تعلن الدولة حالة استثناء، وتحل كل المؤسسات المنتخبة والهيئات الاستشارية، ونشرع في محاكمة كل من أوصل البلاد إلى فساد كل المؤسسات، والى فشل النموذج الاجتماعي والاقتصادي الذي عطل العدالة الاجتماعية ببلادنا.
فحينما نقرأ تاريخ وحاضر الأمم التي تحترم نفسها، نجد أن العدالة الاجتماعية مبدأ أساسي من مبادئ التعايش السلمي، عبر تأصيل وتحقيق المساواة بين الجنسين، وتعزيز وصيانة حقوق الإنسان، وتفعيل الحقوق الثقافية، وضمان العدالة اللغوية، وترسيخ، العدالة الضريبية، وليس شعارا للاستهلاك أو للمزايدة السياسية.
إن التاريخ المغربي يعج بالكثير من الحركات الاجتماعية الباصمة لمسارات من الأحلام والتحول، واليوم لا يمكن بناء مغرب المستقبل مع من ترك 700 ألف طفل خارج منظومة التعليم الأولي، ومع من ترك هذا القطاع خارج اهتمامات السياسات العمومية، وتركه للنهش و النهب و العشوائية، و خارج أجندة السلطات العمومية. كما لا يمكن لشبكات الدولة المغربية التقليدية، أن تستمر في سياستها الانتقائية، والزبونية والمصلحية، مدمرة حياة وطاقات من يشكل أزيد من نصف مجتمعنا. وهم الشباب، الذين يشكلون الطاقة البشرية والحيوية القادرة على القيام بالثورة النهضوية والتنموية.
إن الحوار الذي ندعو له، هو حوار الوطن وليس حوار من يملك الأغلبية أو من يوجد في المعارضة، أو الرافض للعملية من أصلها. لقد استنفذت هذه الفلسفة إمكانياتها، وبات المطلوب في ظل أزمتنا، هو التفكير في النتائج والغايات. وأي مخرجات لهذا الحوار المجتمعي، يجب التحقق من منفعته في الواقع المعيشي للناس.
إننا في ورطة ! نعم، في ورطة حقيقية، والله !
وأي فكرة تريد الهروب بنا إلى الأمام فهي باطلة، لأن مقياس الصواب لم يعد هو التغني بالتمني أو الشعارات، بل يكمن في القيمة المنصرفة في دنيا الواقع.
لا يهمني اليوم أن أكون ليبراليا، أو برجماتيا أو ماركسيا، ما يهمني هو بناء مغرب المستقبل..كيف؟ ومع من؟
طبعا، لسنا من فصيلة المؤمنين بأن الأفكار لا قيمة لها إلا متى تحولت إلى أفعال تودي إلى إعادة تنظيم العالم الذي نعيش فيه، وتسلم إلى إعادة بنائه. لكننا نؤمن بضرورة تغيير مجتمعنا ليغر الناس أنفسهم. وهذه حجتنا في الدفاع عن التغيير مع كل من يحلم بمغرب المستقبل.
إننا نقبل في مهمتنا هذه بالعمل القاعدي من أجل التحرك لتجنيد أهداف التنمية المستدامة، والمساهمة إلى جانب السلطات العمومية المغربية في تقعيد الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2030، لكننا لا نقبل استمرار “عصرنتنا” السلطوية، والوسط الحضري وصلت فيه البطالة إلى ما يقرب 43% في فئة أقل من 25 سنة. فأي حفاظ على الوضع القائم، لن يسهم إلا في تفجير أكبر قنبلة في تاريخ المغرب الحديث.
إن بناء مغرب المستقبل، بعد نهاية المغرب القديم، لن يتم بثقافة الاحتواء، والاستمرار في إدماج آليات بالية وفي سد الثغرات بالترقيع، ولن ينبعث من بنيات إيديولوجية مستعملة. إنه يمر عبر فض النزاع بين القديم والجديد، حتى لا نترك الفضاء العام للفوضى وللشعارات التي تسائل أحيانا النظام السياسي المغربي في أحداث لا أهمية فعلية لها.
وبشكل أكثر دقة، فإن اللعبة السياسية الحالية انتهى دورها، وتقييمها في حوار مجتمعي وطني بات ضرورة تاريخية، من أجل الأمن والاستقرار.
لم يعد لنا من الوقت ما نضيعه في فرجة الفاعلين السياسيين التقليدين، ولم يعد المغرب في حاجة إلى هذا الكم الهائل من الأحزاب السياسية، وإلى بنيات الانشقاق الإيديولوجي. المغاربة في حاجة اليوم إلى التعبئة الجماعية من أجل الخروج من الورطة التي أوقعنا فيها من تربع على عروش المؤسسات والمسؤوليات منذ الاستقلال.
تعبنا من المقاربة الأمنية للاحتجاجات وللحركات الاجتماعية، ومللنا المفاوضات السياسية المنبطحة من أجل القبول بالإجماع المبيت. كرهنا النزاعات السياسية العقيمة، ونظام “السخرة” في السياسة. نريد العدالة الاجتماعية التي تقودها الدولة الاجتماعية، وليس دولة يقودها “السراق” من مختلف الأحجام، وليس دولة يقودها أصحاب المال، ومن يعتبرون الوطن “وزيعة” أو “كعكة”، ومن يعتبرون المغرب “ضيعة” ورثوها شرعا عن المخزن القديم، أو عن الحركة الوطنية، أو من المصاهرة مع النافذين في الدولة والمقربين منها.
مغرب المستقبل هو طموح مشترك، هو بناء مشاريع جماعية تستهدف إقامة نظام اجتماعي جديد لحياة الناس، تستند إلى عدم الرضا عن النمط السياسي والحكومي الذي ساد منذ عقود من الزمن.
مغرب المستقبل هو مغرب يقبل التغيير والتخلي عن امتيازات الريع بكل أنواعه، وصناعة التحول الذي ينتفي فيه الواقع ويتأسس فيه آخر، مغرب الإيمان بجهود منظمة، يبذلها جيل جديد من السياسيين والنخب والمفكرين والمثقفين والأطر والكفاءات، بهدف التغيير أو مقاومة من يقف ضده.
مغرب المستقبل يفترض التنظيم والتكوين والتأطير لبلوغ هدف التغيير المنشود، من دون أن ننسى القضايا الموجبة والمولدة والمتمثلة في ثالوث الحق في الثروة الوطنية والسلط، والحق في العدالة المجالية، والحق في البنيات الأساسية الأربع: التعليم، الصحة، الشغل والسكن.
لا نريد صراعا إيديولوجيا بين “المعسكرات” السياسية المغربية المصطنعة والوهمية، نريد مدخلا موحدا في إطار جدل المركز والهامش من أجل السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي، بعيدا عن التسلط والإكراه، وبعيدا عن عشائرية الأحزاب السياسية، وأنانية قياديها.
مغرب المستقبل هو مغرب التوحيد السياسي والثقافي للمغاربة، من أجل رد الاعتبار للمدرسة العمومية وللثقافة، وعدم تأليب المغاربة على بعضهم، كانوا عرب أو أمزيغ، أم كانوا مسلمين أو يهود أو مسيح، أو غير متدينين..
مغرب المستقبل هو تفكيك البنيات القديمة في مؤسساتنا، وتقوية إيماننا في الانعتاق والتحرر، وابتكار أنواع جديدة من التضامن والتعاون والتكافل بين المغاربة، الذين هم اليوم في حاجة عاجلة لتغيير الحياة السياسية، ويطالبون بحلول عاجلة لمشاكلهم، برؤية جديدة وقوة حالمة ومبدعة.
لقد آن الأوان لتجاوز الصراعات الانتخابية البئيسة والمصطنعة، للخروج من النفق المظلم. وهذا يتطلب قول الصراحة للمغاربة، واحترام المناضلين المتأصلين الذين اختاروا الوطن قبل الإيديولوجية، بدل الانتحار. لأن مغرب المستقبل هو قيم إنسانية ضد المكر والخداع، وليس قيم انتخابية، وعجرفة سياسية.
وأخيرا، مغرب المستقبل، لن يولد إلا بتشييع جنازة المغرب القديم قبل دفنه، إذا كنا فعلا نريد أن نؤسس للعدالة الاجتماعية عبر تحقيق التنمية وصون كرامة الإنسان، وتوفير الشغل للشباب، والحماية الاجتماعية لكل سكان مغرب الهامش، وإعمال المبادئ والحقوق الأساسية لتحقيق الكرامة الإنسانية، وإقرار الحرية، ووقف الظلم والفساد و المحسوبية و الزبونية، و ضمان التعليم للجميع من دون قيد أو شرط، و توزيع الضمان الاجتماعي و الخدمات على كل الفقراء وعى كل المغاربة في وضعية إعاقة وهشاشة، و ضمان الحق في المعلومة والكتب والأدوية والانترنيت للجميع.

* رئيس حركة قادمون وقادرون

تعليقات