الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 10:59 صباحًا

الدكتور المصطفى المريزق يكتب عن: مغربنا ومغربهم

ماروك تلغراف

د. المصطفى المريزق


عثرت هذا الصباح في مكتبتي على وثيقة تاريخية ناذرة، تحت عنوان: “بيان من مناضلين بجيش التحرير والمقاومة المغربية”. الوثيقة/البيان، موقعة من طرف 37 مقاوم بتاريخ فاتح ماي 1976.
ومن بين الموقعين، أذكر على سبي المثال وليس الحصر: محمد البصري، أومدة محمد، محمد بن الحسين (أزلماط)، المنتصر حسن العتابي، سعيد نايت الديح، النهاري محمد الحداد، محمد بن سعيد، الحسين الخضار، صابر عبد الحميد، المعلم بوشعيب، الميداوي أحمد، مرزوق حسن، عبد الفتاح سباطة، العربي الفيكيكي، بن عمر محمد الجعواني (…).
ما أثارني في هذه الوثيقة هو لغة العنف الثوري التي كتبت به، والمواقف التي سطرتها من النظام المغربي آنذاك، ومن قضية الصحراء، والديمقراطية والاشتراكية، والتذكير بمحطات المقاومة وجيش التحرير.
وبعد 42 سنة، يحق لنا اليوم أن نتساءل عن معنى تلك المواقف في زمنها، و ما تبقى منها في زمننا؟
فإذا كان الأمر لا يحتاج إلى التذكير بأهم الخصائص السياسية و الاقتصادية الدولية و القطرية التي كانت تميز المرحلة، و تصنع مثل تلك المواقف، فالوضع الحالي بات متعلقا بالمستقبل، و بضرورة تيسير الولادة الطبيعية لمغرب المستقبل، بنظام الدولة الاجتماعية التي تحدد للناس ما يمكنهم وما لا يمكنهم، و ما ينبغي وما لا ينبغي أن يفعلوه.
فعند رؤيتنا لواقعنا الحالي، يمكن القول أن هناك أحكاما من قبل السياسات العمومية الحكومية، تقف حاجزا أمام العدالة الاجتماعية، نظرا لكون العلاقات السائدة بين الناس في ظل هذه الأوضاع، لا زالت لم تصل بعد إلى وضع مدني، وهو ما يمكن أن يولد نفس شروط البيان الموقع من طرف أعضاء المقاومة وجيش التحرير.
لكن وباستحضارنا للبواكير الأولى التي التزمها الملك محمد السادس حيال ملف الحريات العامة وحقوق الإنسان والتنمية، منذ توليه العرش، يحق لنا اليوم أن نحلم من جديد، وأن نعمل بكل جد و إخلاص على الاستمرار في فتح المغالق بإمكانياتنا البسيطة، ومن دون رد فعل أو تشنج، من أجل المساهمة في بناء علاقة أكثر توازنا بين السلطة والمجتمع، تتميز بالاعتراف بالطاقات المناضلة والمواطنة التواقة لمغرب الكرامة، والتي تشتغل بعرق جبينها.
لن ننسى الأمل الذي زرعه فينا العهد الجديد، حين تم تعيين الراحل إدريس بنزكري على رأس “هيئة الإنصاف والمصالحة”، وبعدها رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
وبعد رحيل الرجل الطيب ودخوله تاريخ الأبطال الكبار، عين الملك المناضل أحمد حرزني على رأس ذات المجلس، ليستمر نهج المصالحة والنضال على درب الديمقراطية.
ويمكن اليوم أن نقارب بين الحلم وبين قساوة الواقع، بين مغرب أسودت وجوه ضحاياه بنار الجمر، وبين شعلة الأمل ضد انفجار أي بارود في وجه المغاربة على مرآي من الكل. إنه عمل متقن ذلك الذي خلفه أبن قرية ايت واحي المنتمية إلى قبائل زمور الأمازيغية.
وبعيدا عن الأحقاد والضغينة والفتنة، مغربنا على ضوء مسار المجلس الاستشاري، وفي ظل المجلس الوطني لحقوق الإنسان الحالي، ومؤسسات أخرى، لازال ينتظر العدالة الاجتماعية والتي لن تتحقق من دون المساواة في الاستحقاق، ومن دون مغرب الجشع، والذي لولاه لكانت ثروة الوطن كافية لضمان العيش الكريم لأبنائه.
إن مغربنا في حاجة لمعالجة مشكلة التفاوت، بالطريقة التي تمكن الناس من حصول على مكاسب متناسبة مع المساهمات التي يقدمونها للمجتمع، وأن يخضع الناتج الاجتماعي لعملية توزيع تقوم بها الدولة ومؤسساتها من دون انحياز.
ولهذا علينا بمطالبة الدولة بأداء مسؤوليتها الكاملة في توجيه مؤسساتها لخدمة الوطن والمواطنين، وتوجيه الجهود للارتقاء بإنتاجية الشعب في كل مجالاته.
لا نريد مغرب الامتيازات حتى نستحضر البيان أعلاه، بل نريد تعزيز البناء الديمقراطي، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات ونصرة قضايا حقوق الإنسان. كما نريد الوفاء بالتزامات العهد الجديد والعمل على ترسيخها في مجال النهوض بالدولة الاجتماعية، في احترام تام للدستور الذي ينص صراحة عل الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها دوليا.
إن مطالب مغربنا اليوم نلخصها في الحق في الثروة الوطنية والسلط، والعدالة المجالية والبنيات الأساسية الأربع (التعليم، الصحة، الشغل والسكن)، وهذا لن يتحقق مع من يعتبرون المغرب مغربهم. لكن بصمود وإصرار قيادات نظيفة، مثقفة، وفاعلين اقتصاديين غير متطفلين، ومؤسسات غير منحازة للأغنياء وصناع الريع، وأعداء المصلحة العامة، مغرب المستقبل الحامل لحلول فعالة وملموسة، مغرب ممكن بنسائه وبرجالاته وشبابه.
لقد مضى زمن الأعيان، وما على الدولة إن أرادت أن تتفادى زمن الوثيقة التاريخية المذكورة، إلا أن تربط تحقيق العدالة الاجتماعية بالحق في الثروة بما يتوافق مع مبدأ الاستحقاق. لأن تحقيق العدالة الاجتماعية رهين برؤيتنا لمغرب المستقبل، رؤية قائمة على القطع مع المؤسسات القديمة، ومع أصحاب المصالح والامتيازات، ومع نظام “السخرة” في السياسة، ومع أشباه السياسيين الذين بتصرفاتهم وإقصائهم لشرائح مجتمعية كثيرة، يحرضون على الفتن ضد الحرية والعقل، وضد أمن البلاد ووحدته الترابية، وسلامته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

تعليقات