الجمعة 11 أغسطس 2017 - 12:02 صباحًا

هذا ما منح إستقالة إلياس العماري تميُّزُها ولونها وقيمتها

ماروك تلغراف

بِغَضِّ النظر عمّا إذا كان إلياس العماري هو أول قائد حزب سياسي قدّم استقالته أم لا، وبغض النظر عمّا أثارته مبادرته من “بُوليِمِيك” وردود فعل، وبغض النظر عن التعاطف، أو عدم التعاطف، مع هذه المبادرة، لا بد من القول والاعتراف بأن استقالة الرجل لها تميُّزُها ولونها وقيمتها .
يكمن تميُزُها لكون الاستقالة جاءت في ظرف وسياق غير عاديين. ويتمثّل لونها في أنها تمثل حزبا اختار المعارضة، عن اقتناع، وإنْ كان احتل المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة. أما قيمتها فهي في جرأة صاحبها.
استقالة العماري جاءت في ظرف غير عاد . ذلك أنه في الوقت الذي انكمش مسؤولو الأحزاب و”دخلوا سوق رَاسْهُم”، واكتفوا بتَتَبُّع ما يجري وما يقع في البلاد من داخل معاقلهم،وكأنّ الأمر لا يعنيهم، خرج العماري يُعلن على الملأ استقالته. وبعد الإعلان عن الاستقالة ،عقد ندوة صحفية ليشرح دواعي ودوافع هذه الاستقالة الذي لخَّصَها في أنها استقالة نهائية ولا رِجْعة فيها ،وبأنها لم تأت لا من فوق ولا من تحت. إذن، لا يمكن سوى تسجيل هذا الموقف الواضح للرجل بغض النظر، مرة أخرى، عن أيّ اعتبارات أخرى.
السؤال المطروح بعد هذا: هل الأحداث الأخيرة التي عرفتها الحسيمة والخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، وما حمله من رسائل ومضامين، لا يهم سوى هذا الرجل؟
الغريب في الأمر هو أن الخطاب الملكي لم يُحَرّك السّاكن والرّاقد في المسؤولين، الرسميين وغير الرسميين، المعنيين مباشرة بالخطاب.هل جميع هؤلاء المسؤولين لم يجدوا أنفسهم في هذا الخطاب ،أو ،على الأقل ،لم يشعروا بأنهم معنيون بالخطاب ؟ أليس هذا الخطاب رسالة مفتوحة إليهم ؟ إذا كنا لا نستطيع الجزم بأن جميع المسؤولين نظفاء، أنقياء،نزهاء،فبنفس القَدْر لا نستطيع أن نجزم أنهم عكس ذلك.لكن كان، وما زال، من الطبيعي أن يكون رد فعل هؤلاء المسؤولين على قدر أهمية الخطاب الملكي الصريح الفصيح الذي يعني ،بصفة مباشرة ،أنه إذا كان هناك من لم يعد قادرا على العطاء وخدمة البلاد والعباد، فَلْيَنْسَحِب .
فيما يتعلق بِلوْن الاستقالة فهي تحمل طابع حزب أثار الكثير من الجدل واللغط حوله؛ واحتل الرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، واختار مكانه في المعارضة لاعتبارات يعرفها هو وتخصّه هو.
لنتساءل فقط: ماذا لو اختار حزب الأصالة والمعاصرة المشاركة في الحكومة؟ ماذا لو “ضربها بسكتة”، واعتبر نفسه غير مَعْنِي بالأحداث، ويخرج بِبيان يُثْمِن فيه الخطاب الملكي، ويعَبِّرُ عن افتخاره بمضامينه وجرأته، ويعتبره خريطة طريق..للحاضر والمستقبل..كما فعل وقال آخرون؟ماذا لو انتهز الفرصة ودخل الحكومة من بابها الكبير ـ لا يهمّ مع مَن وبجانب من ـ وأخذ قِسْمَته من الكراسي والحقائب الوزارية ؟
هذه أسئلة وغيرها ضرورية لِفَهْم ما جرى ،خاصة حين نعلم أن أحزابا كانت ،بالأمس القريب ،تطلب وُدَّ “البام” ،سرعان ما تجاوزت “الخطوط الحمراء”التي كانت تُلَوِّح بها ،وسال لُعَابُها ، وتهافتَ زعماؤها على المناصب والحقائب .. وهم يردِّدُون “عفا الله عمّا سلف”.لعل المتأمّل لخريطة تشكيلة حكومة العثماني ،سيهتدي لِفَهْمِ ما جرى وما وقع.
هنا تكمن قيمة فعل الاستقالة ،وهذه القيمة تكمن في الجرأة.جرأَة صاحبها ،إلياس العماري.
لن نكون مبالغين إذا قلنا أن عددا غير قليل من “الزعماء” ترتعد فرائصهم لمجرد أن فكرة الاستقالة تُرَاوِدُهُم ،فما بالُكَ إذا أَقْدَمُوا عليها .
إذن، كم من زعيم حزب استقال مباشرة بعد الخطاب الملكي؟
كم من مسؤول حكومي،ووالٍ وعامل وباشا وقائد و…و… قال ـ فقط مع نفسه ـ أنا معني أيضا بهذا الخطاب، واقتنع بالحقائق التي عرضها الملك، وهي حقائق مُوجِبَةٌ للتنحي والانسحاب.
شخصيا، كنت أُمَنِّي النفس، وأنتظر في نفس الوقت أن تتقاطر الاستقالات من كل جانب كما تتقاطر برقيات التهاني من كل حدب وصوب.ولو حدث ذلك فهو اعتراف بأن الخطاب الملكي يخاطبهم بعد أن وجدوا أنفسهم معنيين.
غريب هذا الأمر:خطاب قوي، مُزَلْزِل.. لم يُحرّك ساكنا في هؤلاء وأولئك.وكأنّ لا أحد معني به.
ليس المهم بعد هذا أن يكون إلياس العماري أول أو ثاني أو ثالث زعيم حزب يُقَدّم استقالته مباشرة بعد الاستماع وإعادة قراءة الخطاب الملكي .كان من المُؤَمَّل أن يكون أكثر من زعيم يُقْدِم على نفس الخطوة. لكن الأمر ليس بالأمر الهيِّن .
الجرأة مثل الزعامة لا تُواتِي سوى العقول والأدمغة المُهيَّأَة التي لا تنتظر التعليمات كانت من فوق أو من تحت.
الزعامة الحقيقية هي التي تتحمّل مسؤوليتها وتختار القرار الصعب في الوقت الصعب.وهذا ليس بإمكان أيٍّ كان. من هنا كان لهذه الاستقالة تميُّزُها ولونها وقيمتها. وما تَبَقَّى يذهب جُفاء.

تعليقات